ابن الحسن النباهي الأندلسي
180
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
قرأ بآية واحدة ، لحسن قراءته ، وطيب نغمته ، وصدق نيّته ؛ وإذا ذكر شيء ؛ من أمور الآخرة ، ظهر على وجهه الاصفرار ؛ ثمّ يغلبه البكاء ، ويتمكّن منه الانفعال . فكان ، في معاملته لأصحابه ، على مذهب الفرج بن كنانة ، لا يرى زلة لصديقه ، ولا يعدل في حاجته إليه عن طريقه ؛ وقلّما كان يتخلّف في يوم من أيّامه عن عيادة مريض ، أو شهود جنازة ، أو تفقّد محتاج ، أو زيارة منكوب . ومن ذلك ما حدّثني به قريبنا وقريبه الشيخ الرواية المحدّث الحاجّ أبو القاسم بن عبد اللّه ، وهو أنّه لما اعتقل بدار الإشراف من الحضرة ، على ما نسب إليه من المسامحة في إضاعة مال الجباية ، أيّام كانت أشغال السلطنة لنظره ، أن زاره القاضي أبو عبد اللّه يوما في محبسه . قال : فذكرته بعادته من مشاركته لأصحابه ولإخوانه وله ابن عوانة . قال : فاستعبر ، واستغفر ، وأقام معي هنيئة ساكتا مفكرا ؛ ثمّ تناول القرطاس ، وكتب يخاطب الأمير بما نصّه : الحمد للّه ! مولاي ، أمدّك اللّه بتوفيقه ، وحملك من الرشاد على أوضح طريقه ! - أسلّم عليك وأسائلكم ، حقّقت رجاء الآملين وسائلكم ، ولا خاب من قصد لديكم قاصدكم وسائلكم ! ما كان من حديثي الذي لم يزل ذا قدم صدق في خدمة الإيالة الإسماعيليّة وبنيها ، وخاصّتها وذويها ، وادّا لأودّائها ، نائيا عن متاربها ، يرفع لنصحها في كلّ ميدان خدمة لواء ، ويؤمّ أولياءها ثقة وأعداءها مقتا ولواء ، ويجرّ في نصحها من حسن الطويّة رداء ، إلى أن تحمل من عدوى الجوار داء ، وجعل لصاحب الجريمة ، من أخذ بالجريرة « 1 » غير ناره ، وكوى لعجز جاره ، وتارة عدوّه ولم يقم له هو وليّ بثأره . فهل عثر البحّاث البدعيّ في نواحي عمله وفي خفيّات سرّه ، على مقربة خبر ، أو أتى البحّاث السريع في هزجه ورمله بآثارة علم تكشف العمى ويضيء الطريق لأولي البصر ؟ حنانيك أعدّ النظر فما هي إلّا ألقيت يقرقر بها قرقرة زجاجة ، من قضابها لغيرك فيما أخبث حاجة . وإن كان وقع لما ألقاه في الأمر شيء من الباس ، وحضر لما زينه وأعانه عليه قوم آخرون من الناس ، فما بنا من ظهور الحقّ لديك إياس ، وحاشاك أن يخفض للجوار بحضرة عهدك الكريم كبير أناس . فأعرض
--> ( 1 ) الجريرة : الجناية . مختار الصحاح ( جرر ) .